الشيخ المحمودي
172
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
وبالجملة الامر جلي لا يحتاج إلى التطويل ، ولا ينبغي لذوي اللب الاصغاء إلى خوار من هو عادم ذاتا لهذا الجوهر الثمين الجليل ، أو الاستماع إلى من فكره كليل ، وادراكه عليل ، فينكر العقل أو حكمه أو هما معا ، إذ على التقدير الأول هذا القائل معترف بأنه لا عقل له ، فمن لا عقل له فهو مجنون ، وليس من شأن العقلاء الاستماع إلى المجانين ، وعلى التقدير الثاني أيضا لا يليق للمتأمل الاعتناء بقول هذا المدعي ، لأنه مقر بأن حكمه : ( بأن العقل ليس بحاكم ) قد صدر عن حكم غير العقل ، وكل حكم صدر عن غير العقل لا بد أن يكون منشأه ومصدره الجهل ، والعاقل في شغل عن الاصغاء إلى قول يكون مصدره الجهل . فالمهم - هنا - أن نبين ونشرح المقصود بالعقل ، إذ هذا اللفظ - كجل الألفاظ الأخر المشتركة - يطلق على معان عديدة ، وبسببه ربما يشتبه المقصود ، ويلتبس الامر على السامع والمخاطب ، ولبعضهم هنا كلام لعله لا يقصر عما هو المختار ، ولذا نكتفي به ولا نتكلف شيئا آخر : قال : اعلم أن الناس اختلفوا في حد العقل وأقسامه وحقيقته ، وذهل الأكثرون عن كون هذا الاسم مطلقا على معان مختلفة ، فصار ذلك سبب اختلافهم ، والحق الكاشف للغطاء فيه : ان العقل اسم يطلق بالاشتراك على أربعة معان ، كما يطلق اسم العين مثلا على معان عدة ، وما يجري هذا المجرى فلا ينبغي أن يطلب لجميع أقسامه حد واحد ، بل يفرد كل قسم منه بالكشف عنه : ( الأول ) الوصف الذي به يفارق الانسان سائر البهائم ، وهو الذي به أستعد لقبول العلوم النظرية ، وتدبير الصناعات الخفية الفكرية ، وهو الذي أراده الحارث المحاسبي حيث قال في حد العقل : ( انه غريزة يتهيأ بها ادراك العلوم النظرية وتدبير الصناعات ، وكأنه نور يقذف في القلب ،